منذ ثلاثين عاماً وأكثر، عمل جمال محمود غشاش (53 عاما) من مدينة قلقيلية، في البناء بشكل متقطع وبأجر متواضع، من دون أن يتبع لصاحب عمل أو لشركة خاصة، قبل أن يسقط عن الطابق الثالث ويلقى حتفه.

رحل غشاش ولم يترك لذويه سوى بعض الذكريات الموجعة، وأطفاله الأربعة، التي تبكي رحيله وتنعيه غير معترضة على حكم الله، لكن الواقع بعد رحيله مؤلم جداً.

وتقول زوجة الفقيد أم نصر :"خرج زوجي الساعة السابعة صباحا كالمعتاد بعد أن أعددت له الفطور، وذهب إلى عمله، إلا أننا تفاجأنا الساعة العاشرة صباحاً، بخبر وقوعه عن عمارة البناء من الطابق الثالث، وانه تم تحويله إلى مستشفى درويش نزال الحكومي بالمدينة".

تتابع: "هرعت إلى المستشفى، لكن حالته الصحية كانت سيئة جداً، ولخطورة وضعه الصحي طلبنا نقله إلى مستشفيات الداخل، وفي البداية رفض ذلك من الجانب الإسرائيلي كونه أسير محرر أمضى بالسجن أربع سنوات، لكننا حاولنا بكافة السبل، وللأسف توفي في طريقه للمستشفى على حاجز الياهو العسكري الإسرائيلي جنوب مدينة قلقيلية".

بدأت العائلة حياة جديدة شديدة القسوة بعد وفاة معيلها الوحيد، كما قال نجله الأكبر نصر ابن الـ (25 عاما)، فلم ير نفسه إلا أمام مسؤولية رعاية والدته وشقيقاته الثلاث، علاوةً على فقد والده الذي كان يدعمه ويسانده.

يعمل نصر ليلا ونهارا بتنجيد الكنب والأثاث، لإعالة العائلة.

وقال نصر: "بموت والدي بدأت الحياة تتغير، ,والمسؤوليات تزداد، وعلي أن ألبي احتياجات العائلة كاملة".

فسجل الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في قلقيلية (10) حالات وفاة في صفوف العمال، سقطوا خلال عملهم سواء في المدينة أو في داخل أراضي 1948، منذ عام 2018 لغاية شهر آذار من العام الجاري، وبينما بلغت الإصابات ما يقارب 176 إصابة عمل منها 53 إصابة بالداخل المحتل.

وحسب مسؤولة ملف إصابات العمل وقضايا العمال في الاتحاد النقابي في قلقيلية تمام عبد الحفيظ، فإن هذا العدد من الحالات مرتفع جداً مقارنة بالأعوام السابقة، حيث يرجع السبب إلى ضعف الرقابة على المنشآت والمباني سواء كانت في المشاريع الفلسطينية أو الاسرائيلية.

وقالت عبد الحفيظ: "قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 في بند إصابة العمل ينص على أن العامل يستحق تعويضاً إن بلّغ على إصابته خلال 24 ساعة، ويحصل على تعويض نقدي عن العجز الجزئي الدائم بمجموع نسب العجز التي أصيب بها بما لا يتجاوز التعويض المقرر للعجز الكلي الدائم، وقد حدد القانون مقدار التعويض النقدي في حالة العجز الكلي الدائم أو الوفاة بأجرة 3500 يوم عمل أو 80% من أجره الأساسي لحين بلوغه سن الستين".

وأضافت: "يسقط الحق في المطالبة بالتعويض بالتقادم بمرور سنتين على الإصابة دون عذر مشروع، كما لا يستحق العامل أي تعويض إذا ثبت أن الإصابة ناتجة عن فعل متعمد أو أنه كان تحت تأثير الخمر أو المخدرات أثناء الإصابة إن لم تؤدي إلى الوفاة أو عجز تزيد نسبته عن 30%".

وتابعت: "يتوجب على أصحاب العمل والعمال تنفيذ شروط السلامة المهنية ووضعها موضع التنفيذ الفعلي والعملي، وعلى الجهات الخاصة وضع برامج تدريبية للعمال، وتوعيتهم. ونهيب بالجهات المختصة بأهمية دراسة ظروف الأعمال الجديدة ومدى الأخطار التي يتعرض لها العمال في الوقت الحالي وسن قوانين رادعة لمن لا يلتزم من أصحاب العمل بالقوانين وبالتأمين".

وقالت القائم بأعمال مدير دائرة التفتيش لحماية العمل في مديرية عمل قلقيلية حنين سعيد الخليلي، إن الاستهتار من قبل العامل في عدم ارتداء القفازات أو خوذة الرأس أثناء العمل، وعدم إتباع تعليمات صاحب العمل، هي أيضاً أحد الأسباب الرئيسية لحدوث الوفاة أو الإصابة بين صفوف العمال.

وأشارت الخليلي إلى أن مديرية العمل تقوم بشكل متواصل بإطلاق حملات توعوية وإرشادية للعمال في كافة القطاعات، حيث قامت المديرية بإطلاق الحملات مع بداية هذا العام، موضحةً بأن الحملات كانت في بداية شهر كانون الثاني على المشاتل والمنشآت الزراعية، وفي شهر شباط على رياض الأطفال، وفي آذار كانت للمصانع ومناشير الحجر والبناء، أما في الشهر الماضي فكانت زيارتهم لمشاغل الخياطة.

وإلى جانب تعرض العمال للإصابات في عملهم، ومعاناتهم في الوصول الى حقوقهم، هناك الآلاف من العمال يعانون على البوابة الوحيدة للمعبر الشمالي في مدينة قلقيلية، والتي يؤمها ما يقارب 8000 عامل من كل محافظات الوطن يوميا، للعمل في مناطق الـ48.