لم تكن الطرق معبدة بالزهور أمام زاهية المصري -الكندية الفلسطينية التي تعد أول فلسطينية مرشحة للانتخابات الفدرالية- لتشق طريقها في معترك الحياة العامة والحياة السياسية في كندا، لتصل الآن إلى مرشحة الحزب الديمقراطي الكندي في الانتخابات الفدرالية.

زاهية لم تنس كونها فلسطينية قدمت من أرض اللجوء، لذا هي تحمل حبا في قلبها لفلسطين البلد الأم، ولبنان حيث الطفولة والعائلة الكبيرة، وكندا التي احتضنتها وحققت لها أحلامها.

من برج البراجنة لكندا
تقول زاهية المصري للجزيرة نت رغم "أني كنت أعيش في مدينة برج البراجنة، وعشت أيام الاجتياح الإسرائيلي للبنان، لكن تبقى عالقة في ذاكرتي العائلة الكبيرة والقلوب العامرة بالحب والحنين".

وبسبب الظروف الصعبة في لبنان آنذاك، قامت عائلتها بتقديم طلب الهجرة، وهاجروا إلى كندا خلال أيام، وكان عمرها 12 سنة، وما حزّ في قلبها أن الوقت لم يسنح لها لوداع كل أصدقائها وأقاربها في لبنان، وهذه حال كثيرين في عالمنا اليوم، كما تقول زاهية.

محنة اللجوء وشخصية الإنسان
35 سنة مرت على وجودها في كندا، لكنها لا تزال تحمل وجع اللجوء، وتعتبر أن هذا الأمر أسهم في تعزيز وتكوين شخصيتها؛ فتاريخ الإنسان جزء من هويته، ومن نظرة العالم لك، كما قالت المصري التي تؤكد أنها "فخورة أني لاجئة فلسطينية، وأننا لا زلنا ندافع عن حق الفلسطينيين بالعودة".

وبعد وصولها كندا، بدأت مرحلة جديدة في حياتها، لأن كندا لا تنظر للشخص على أنه لاجئ، بل على أنه جزء من البلد والمجتمع، عليه أن يثبت وجوده في هذا المجتمع من خلال الجد والعمل الدؤوب والانخراط فيه.

لا أخجل من كوني لاجئة
والمصري لا تخجل من كونها كانت لاجئة، مؤكدة أن على كل اللاجئين في عالمنا اليوم ألا يخجلوا من هذا المصطلح، فالظروف دفعت كثيرين إلى هذا الوضع، واليوم يوجد لاجئو البيئة، وهم من دفعتهم ظروف البيئة للهجرة.

وترى أن الشخص اللاجئ يعني أنه فرّ من وضع صعب، على أمل أن يغير حياته إلى الأفضل، وفي كندا توجد نسبة كبيرة من اللاجئين الذين أثبتوا وجودهم في المجتمع الكندي ونجحوا فيه.


زاهية المصري (وسط) ضمن حملتها الدعائية كمرشحة للبرلمان الكندي (الجزيرة)
زاهية المصري (وسط) ضمن حملتها الدعائية كمرشحة للبرلمان الكندي (الجزيرة)

معترك الحياة السياسية
منذ أن كانت زاهية صغيرة تربت في أسرة تتكلم عن حق الإنسانية في العدالة، وبعد وصولها كندا تابعت عدة أحداث، وتتذكر ما حدث عام 1988 من ضجة كبيرة حول قانون 101 في كيبيك بخصوص أهمية حماية اللغة الفرنسية، وكانت متحمسة جدا للدفاع عن هذا القانون.

وتضيف زاهية "كنا نحضر الندوات والمشاركات التلفزيونية للدفاع عن أهمية اللغة الفرنسية بالنسبة لمجتمع كيبيك، وبعدها انتقلت لمرحلة الدفاع عن قضية فلسطين أيضا كنت -ولا أزال- عضوا فعالا في الدفاع عن البيئة، ثم جاء ترشيحي للانتخابات عام 2008، والآن أترشح من دائرتي التي تربيت وسكنت فيها منذ 35 سنة".

تجارب نجاح
تحديات عدة تواجه أي مهاجر أو لاجئ، لكن رغم ذلك كانت لكثير من اللاجئين واللاجئات بصمتهم في كندا، مثلا يارا الغضبان، وهي أيضا لاجئة فلسطينية واليوم هي كاتبة معروفة وجزء مهم في مجتمع كيبيك.

أيضا الأستاذ إدموند عمران الذي أسس مؤسسة المعونة الطبية لفلسطين، ولهذه المؤسسة دور كبير في التوعية الطبية، وكذلك ربا غزال عضو في برلمان كيبيك، وهناك شخصيات كثيرة من أصل عربي حققت نجاحات في القطاعات الكندية المختلفة.


زاهية المصري (يسار) أثناء ندوة تفاعلية مع أبناء المجتمع العربي الكندي (الجزيرة)
زاهية المصري (يسار) أثناء ندوة تفاعلية مع أبناء المجتمع العربي الكندي (الجزيرة)

أول لاجئة فلسطينية تُرشح للبرلمان
بين همومها في الدفاع عن حقوق الإنسان وحق الفلسطينيين في العودة، وبين حبها وحرصها على مجتمعها الكندي الذي تسعى لخدمته؛ واجهت حيرة قبل أن تخوض تجربة الترشح –كما تقول زاهية- لأنها تخاف أن يكون لانشغالها بالعمل السياسي في كندا تأثير على عملها في التعريف بالقضية الفلسطينية.

"لكن بعد اطلاعي على تجارب عدد من الفلسطينيات في العالم، ومنها تجربة رشيدة طليب في أميركا، وربا غزال في كندا؛ كانت حافزا لي للاستمرار في عملية الترشيح، وأتمنى فعلا الفوز بالانتخابات لأكون أول كندية من أصل فلسطيني في البرلمان الفدرالي الكندي".

بحقوق المواطنة للاجئات
تمنح كندا حق العمل للاجئات، ووفقا للدراسات الاستقصائية الحكومية لعام 2011 للفترة من (2001-2006) بلغ عدد النساء المهاجرات واللاجئات العاملات في كندا 57.9% من عدد النساء الكنديات العاملات عام 2001. في حين ارتفع عدد النساء العاملات اللاجئات والمهاجرات إلى 59.5% من مجموع النساء العاملات في كندا عام 2006.

وبينت دراسة أجراها المركز الاستقصائي الكندي عام 2016 أن نسبة اللاجئات السوريات العاملات تشكل 8% من العدد الكلي للسوريات اللاجئات في كندا، مقابل 17% من لاجئات قدمن من بلدان أخرى، ويعود السبب إلى أن الأخريات وصلن قبل السوريات، إضافة إلى عامل اللغة.

واللاجئات في كندا يتمتعن بحقوق المواطنات باستثناء حق الترشح والانتخاب، إلى أن يحصلن على المواطنة (الجنسية).

ومن بين أبرز الشخصيات النسوية الكندية التي وصلت إلى منصب وزيرة المرأة، ثم أصبحت وزيرة التنمية الدولية مريم منصف الكندية الأفغانية التي جاءت إلى كندا لاجئة.