في جبال سلفيت ورام الله والقدس الغربية والخليل وغور الأردن، لا زالت بضع مئات من غزال الجبل الفلسطيني يسرحن ويمرحن بعيدا عن الصيادين الذين يحرصون على اصطياد هذا النوع من الغزلان إما لتذوق طعم لحمه أوالاحتفاظ به في منازلهم وحظائرهم الخاصة.

  لكن الجزء الأكبر من هذه الغزلان يتجه إلى مناطق الغور الشمالي والأوسط في طوباس والجفتلك وأريحا وعين جدي؛ لأنها مناطق محاذية للحدود الأردنية، وهي مناطق أمنية لا يتمكن الصيادون من الوصول إليها.

 وجزء آخر اتخذ من جبال القدس الغربية ملاذا له بحثا عن الأمان في جبال الولجة والقسطل وكالونيا ودير ياسين وشرفات وعين كارم، فهذه مناطق حرجية وخضراء، ولا يمكن وصول الصيادين إليها وإطلاق النار فيها.

 

القوام والهيئة

 عماد الأطرش مدير جمعية الحياة البرية في فلسطين قال؛ إن غزال الجبل الفلسطيني الذي أجرى عليه العديد من الدراسات يتميز عن غيره من غزلان إفريقيا وشرقي آسيا وبعض المناطق الأوروبية في ارتفاع عنقه وقوائمه ونحافة جسمه، فهو يميل في الغالب إلى اللون البني الداكن وخاصة على ظهره لأنه يتعرض للشمس دوما، إلا أن بطنه وأسفل مؤخرته يميل إلى البياض، فيما يزينه بعض الخطوط البيضاء الخفيفة على جانبي جسده.

ويبين أن سلالة الغزلان الفلسطينية تتميز بأن لونها أكثر دكانة من الغزلان الصحراوية التي تعيش في شمال إفريقيا.

ويشير الأطرش في حديث خاص لمراسلنا، إلى أن غزال الجبل الفلسطيني تكسوه فروة ناعمة خفيفة ملساء لامعة في الصيف وكأنها الحرير، فيما تنمو فروته أكثر فأكثر في الشتاء، فتصبح أكثر طولا وأكثف وغير لامعة ومانعة للامتصاص، مما يسمح للغزال أن يستوعب الأمطار الغزيرة التي يتعرض لها في المناطق الجبلية المرتفعة.

ووفق الأطرش فغزال الجبل الفلسطيني يتميز كذلك بقرون صلبة هي عند الذكر أكبر، ويتراوح طولها من 22-29 سم، وهي مستقيمة وعلى حلقات بعكس الأنثى التي لا حلقات في قرونها، ولا يزيد طولها عن 11سم.

ويوضح أن وزنها معتدل لا بالسمين كغزلان شرقي آسيا التي يزيد وزنها عن الخمسين كيلو غراما، ولا مثل غزلان الصحراء التي يتراوح وزنها من 12-16 كغم، فالفلسطيني يتراوح وزنه من 25-35 كغم، وهو حجم صحي يحافظ على وجوده رغم تقلبات المناخ الفلسطيني.


الحجم الكمي

يقدر خبراء البيئة في فلسطين أن عدد الغزلان من فصيلة غزال الجبل الفلسطيني تقدر من 500-1000 غزال متناثرة ما بين جبال فلسطين الغربية والوسطى ومناطق الغور الفلسطيني، وهذه إشارة واضحه إلى تراجع كميات غزال الجبل عن السنوات الماضية، كما يشير محمد محاسنة مدير دائرة التنوع الحيواني في سلطة جودة البيئة.

 ويضيف محاسنة في تصريح لمراسلنا: "لقد شهدت فلسطين تراجعا كبيرا في أعداد غزال الجبل الفلسطيني، فقد كان العدد في نهاية التسعينيات نحو عشرة آلاف غزال، وتراجع عام 2010م ليصبح نحو ألفي غزال فقط وذلك بسبب عوامل عدة.

ويبين أن  العدد التقريبي نهاية عام 2017 تراجع إلى نحو 500 غزال، والبعض يرى أنها لا تزيد عن 300 غزال؛ لكن مصادر جودة البيئة الفلسطينية تتوقع أن يصل عددها إلى ألف غزال خاصة أنه لا يوجد دراسات مسحية ميدانية لذلك بسبب قيود سلطات الاحتلال في التنقل.


أسباب الانقراض

عوامل كثيرة أدت إلى انقراض غزال الجبل الفلسطيني، أهمها؛ التغول في صيده من قراصنة البيئة الذين يبحثون عن أثمان بخسة من خلال صيده وبيعه، وآخرين يتمتعون بتذوق لحمه، فيما يحرص قلة على اقتنائه وتربيته في بيوتهم ومزارعهم ليتمتعوا بمنظره الجذاب بحسب مدير المصادر البيئية في سلطة جودة البيئة، عيسى برادعية.

 ويضيف في حديث خاص لمراسلنا: "كثرة الثلوج وتساقطها على المناطق الجبلية في فلسطين يؤدي إلى سهولة صيدها وهي في الكهوف أو بين الأشجار الملتفة، إضافة إلى زيادة العمران مما أفقد تلك الغزلان ملاذا آمنا.

عقوبات باهتة

عدم وجود قوانين رادعة ضد قراصنة الصيد يدفعهم للاستمرار في ملاحقة غزال الجبل، فالقوانين الفلسطينية في هذا الاتجاه لا تردع.

 فقد نص قانون رقم (7) لسنة 1999 بشأن البيئة في فصله الخامس، المادة (41): "يحظر صيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية والبحرية والأسماك المحددة باللائحة التنفيذية لهذا القانون، ويحظر حيازة هذه الطيور والحيوانات أو نقلها أو التجوال بها أو بيعها أو عرضها للبيع حية أو ميتة كما يحظر إتلاف أوكارها أو إعدام بيضها".

وفي عقوبة الردع كان القانون باهتا حيث جاء في الباب الرابع: مادة (71) أن كل من يخالف أحكام المادة (41) من هذا القانون، يعاقب بغرامة مالية لا تقل عن عشرين ديناراً أردنياً، ولا تزيد على مائتي دينار أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، والحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أيام ولا تزيد على أسبوعين، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ وهذا بدوره أطلق العنان لقراصنة صيد غزال الجبل الفلسطيني.

تحذير دولي

أشارت تقارير دولية أن غزال الجبل الفلسطيني مهدد بالانقراض، وهو ثروة بيئية غير محافظ عليها، فقد جاء في اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) أن غزال الجبل الفلسطيني آيل للزوال والانقراض بسبب عدم الاهتمام به والحفاظ عليه.

ومما جاء في التقرير الدولي أن السنوات الخمسة عشر الماضية شهدت حربا ضروس على غزال الجبل الفلسطيني؛ حيث تناقصت أعداده بشكل تدريجي سحيق، وقد يلقى مصير الغزال المصري والسوري الذي انقرض تماما بسبب القرصنة والحروب.

 وقد جاء هذا التحذير عبر دراسات خاصة بخبير علم الحيوان البريطاني (ديفيد مالون) المتخصص بفصيلة الغزلان في الاتحاد الدولي لحماية البيئة ضمن دراسة أطلق عليها "القائمة الحمراء"، أي الحيوانات المعرضة للانقراض والزوال.

ولم يتبق من غزال الجبل الفلسطيني سوى الأهازيج والأغاني التي يتغنى بها الشعراء وينشدها شاعر الربابة الفلسطيني محارب ذيب في أهازيجه الترائية: "سبل عيونه ومد ايده يحنوله، غزال صغير وكيف أهله سمحوله"، "وش هالغزال اللي عن دارنا مارق، خصره رقيق وبالعسل غارق"، "واردات ع النبع يا ملّايات، "واردات ع النبع سرب البنات، والطلعة طلعة غزلان مزينات".

إقرأ المزيد
https://palinfo.com/247229
جميع الحقوق محفوظة - المركز الفلسطيني للإعلام